حسن بن موسى القادري
414
شرح حكم الشيخ الأكبر
يركب أي : من خفض عنقه لأن يضع الناس أقدامهم عليه ، وهو كناية عن التذلل أو هو بمعنى التواضع أي : من تذلل وتخاشع مع الخلق ( ارتفع ) قدره عند الناس وعلى كلامه . وفي الحديث : « رحم اللّه امرئ عرف قدره ولم يتعد طوره « 1 » » ، وأصل الإنسان على التذلل ؛ لأنه مخلوق من التراب وصفته الذل والانكسار أو من وضع الحق الأشياء رضي بالتلّجي بأي وجه كان ملائما أو غير ملائم ارتفع عند الناس أو إلى اللّه أو إلى الجنة أو غير ذلك مما يحصل به الارتفاع من المراتب والمقامات والمكاشفات ، ومفهومه أن من ارتفع اتضع ، لكن لا مطلقا بل بالتفصيل الآتي قبيل هذا أو من قبل وضع نفسه وانكسارها ارتفع شأنه عند الخلق والخالق ، والمراد من كل التقادير المذكورة إن العبد مطلوب بالتواضع والتذلل والانكسار على ما هو حده ووضعه ولا يجاوز حده حتى لا يبقى به دعوى الربوبية المختصة بالحق تعالى . 8 - من فار غار . ثم قال قدّس سرّه : ( من فار ) أي : علا وتكبر من فار الماء أي : زاد وارتفع وعلا ، ( غار ) أي : انخفض وذل وصغر من غار الماء إذا انخفض تحت الأرض بحيث لا يصل إليه شيء حتى يسقى منه ، فمن طلب العلو بنفسه فاللّه تعالى يضعه . وفي الحديث : « إن حقا على اللّه أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه « 2 » » . وقال الشيخ في فتوحاته المكية : « وما أخاف على من هذه صفته إلا أن اللّه تعالى إذا وضعه يضعه في النار » . وقال أيضا فيها : « واحذر يا أخي أن تريد علوا في الأرض وألزم الخمول فإنك إنما أنشأك اللّه من الأرض فلا تعلو عليها فإنها أمك ، ومن تكبر على أمه فقد عاقها ، وعقوق الوالدين حرام » . وقال أيضا : « والذي أوصيناك به أن لا تريد علوا ، وإن أعلاك اللّه لا تطلب أنت من
--> ( 1 ) ذكره القرطبي في التفسير ( 10 / 79 ) ، المناوي في فيض القدير ( 4 / 29 ) بنحوه . ( 2 ) رواه البخاري ( 5 / 2384 ) ، والبيهقي في السنن الكبرى ( 10 / 25 ) .